شريط الاخبار
الرئيسية » رئيسي » أحمد سلامة :أَحرقٌ لجسد معاذ أم تحذير؟

أحمد سلامة :أَحرقٌ لجسد معاذ أم تحذير؟

 

احمد سلامة

كتب أحمد سلامة

قال تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدِى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) الآية 10، سورة القصص

كنت أستمع لأم معاذٍ (نخوتنا) وهي تسعى إلى بلورة موقف عبر شاشة التلفزيون الأردني في أول بوحٍ لصوتها عقب المحنة. كنت أستمع للـ(خية) الكركية بدموع القلب لكن ما قالته جعلني في حالة من الصفاء والتأمل الشديدين ورحت أفكر طالما أن هذه الأرحام تأوي أجنتنا فلا خوف علينا كأمة ولن نحزن، هذا في الصفاء.

أما التأمل فإن دهشة أكثر من القلق وأكثر من اليقين معاً قد فجرتهما أم معاذ في قول ما قالته على طول المكالمة مع التلفزيون الأردني، كانت هذه الأردنية السيدة تسعى وهي تحث بالمناشدة أبناءها الطيارين الأردنيين للأخذ بثأر رفيقهم معاذ.

كانت تسعى وهي المربية المعلمة الفاضلة إلى حشد الأسباب الدينية وإيجاد مبرر أو مرجع ديني تستند عليه في محاولة تكفيرها أو إيجاد وسائل لتكفير الخصوم لضربهم، كان ذلك الحشد من تسبيبها بأنهم كفرة (داعش) وأنهم (الدولة الإسلامية) خارجون عن الدين وأنهم قد اقترفوا الحرام في حرق فلذة كبدها والتمثيل بالأجساد وخرجوا عن تقاليد الأمة المعروفة في التعامل مع الأسير.

استوقفني هذا القلب الباكي من أمٍ أحصنت قلبها بالعز لكنها كانت بحاجة إلى تأصيل موقفها بالدين وإقناع الطيارين بأن عدوهم (كافر)، وتساءلتُ بمرارة كيف لسيدة مكلومة حد الانهيار وفي خضم أزمتها الروحية العاصفة السعي لإيجاد فتوى للانقضاض على العدو، وفي الوقت نفسه فإن بعض المراجع الدينية من أخوان المسلمين وبعض تنظيمات هنا وهناك قد تلعثموا وترددوا وكان الخفر والحياء هو السائد في إدانتهم للذي جرى مع (معاذ).

قبل أن أبدأ أردت أن أستهل مقالتي بنقاطٍ ثلاث في صورة ما يصفه أهل الفقه بـ(الأخذ بالأحوط) كي لا يساء فهم بعض ما أود قوله.

الأولى: إن هذه المقالة وما يليها لا تمت بصلة إلى السياسة مهما بدت لغتها مسيسة.

الثانية: أود الالتماس من أي قارئ أيا كان دوره أو ملاذه الديني أن يتذكر أنني خارج أطر مؤسسات الدولة رغم بيعتي الشرعية للحاكم الهاشمي ولذا فما أود قوله ليس ترويجاً لفكرة أو لفكر أحد وإنما ومضة شخصية أتحمل تبعاتها وحدي قانونياً وأخلاقياً.

الثالثة: هذه المقالات دعوة مفتوحة لأن يكون الثالث من شباط (فبراير) 2015 يوم مأساة إشهار استشهاد معاذ فينا، والذي أُقترفت جريمة إحراقه قبل شهر، محاولة للإجابة على سؤال أكاد أراه خطيراً وحساساً هل كان حرق معاذ الجسد أم حرق معاذ المفهوم؟ وهل النار التي شبّت ستكتفي بمعاذ الجسد أم أنها خطة للزحف على معاذ المفهوم؟

ومعاذ المفهوم في هذه اللحظة عندي هو معاذ الأردن كله ودول الأمة كلها..

أبدأ فأقول..

لا أرى نفسي مخطئاً في الرصد لتاريخ الأردن وحركته السياسية والاجتماعية حين أزعم أن 24 أيلول 1992 والثالث من شباط عام 2015 قد كانا أهم حدثين في آخر نصف قرن بالأردن بمعنى أن هذين اليومين كانا عنواناً للوحدة الأردنية لمفهوم الوطن ولمعنى الوطنية الأردنية.

كان الحدث الأول هو عودة مرض الحسين رحمه الله من مرضه بعد أن شفي من مرض السرطان في أول مواجهة بينهما.

لقد وصف الحسين رحمه الله مواجهته للمرض لأحد الصحفيين العرب قبل إجراء العملية بقوله: (هذه معركة غريبة علي في خوضها، فكان أعدائي دوماً أعرفهم وأعرف كيف أخطط لمواجهتهم أما هذا المرض مباغت يصحو عندما أنام وأنام عندما يصحو، وهذا سر وجعي بقدرته على الإحتيال والغموض).

و لقد عاد هذا الوجع للأردنيين كلهم على مدار شهر مرة أخرى بنفس ما وصفه الحسين، لكنه كان سرطاناً من نوع آخر استفشى ورمه بعيداً هناك في الرقة خارج السيطرة واضطروا التعامل معه مدة شهر. لكن الأردنيين في المرضين والحالتين كسبوا وطناً وكسبوا ملكاً.

أعود لفكرة وحدة الأردنيين..

قد يظن من يظن أنني أتحدث شعراً حين أقول إن قدرة معاذ الكساسبة المدهشة كانت أخطر وأهم من قدرة مرض الحسين وحرب دخول العراق للكويت في بلورة ضمير وطني عامٍ شامل موحد ذلك أن المرض الأول عام 1992 قد سبقه مبررات موضوعية للالتفاف حول الملك إلتفافاً إنسانياً وعاطفياً وعربياً، أعني أزمة اختلاف العرب على كيفية إخراج العراق من الكويت.
كانت الأرض ممهدة عام 1992 لمحمد مهدي الجواهري لينوب عن الأردنيين مخاطباً الحسين (تأبى المروءة أن تكون عليلاً)، لكن معاذاً وحدهم عقب أ-الربيع العربي وب-سطوة الإخوان المسلمين بالتدين وبالتنظيم وبالحرد، وأيضاً ج- بفتية الإصلاح الأميركي الذين كانوا وما زالوا يتشبثون بمفهوم أجنداتهم الإصلاحية في حق الطفل ومساواة المرأة وحفظ حقوق الأقليات وتقديم مشروع الديمقراطية السياسية على متطلب الاستقرار.

كل ذلك كان في ما قبل معاذ بالإضافة إلى إطارات الدولة التي استنفد فيها (الأمني) في الثلاث سنوات الماضية ذوب قلبه وعصارة احتياطه في الحفاظ على الاستقرار كحاجة والتعاطي مع الديمقراطية كموجة. وفي ظل عقم الرحم السياسي لكادرات الدولة ونخبها الذين تفرقوا أيدي سبأ فمنهم من احترف النقد كمتقاعد رافضٍ لتقاعده لأنه صالح لكل زمان ومكان ومنهم من سلق سلقاً وفوجئ بخروجه من الوظيفة وراح يتدبر أمره في جاهة لخطبة هنا ومحاضرة هناك وافتتاح نادٍ رياضي فيما بعد ليقول بعض أفكاره النظرية، وقسم من النخب من أبناء الدولة وكوادرها قد تشبثوا بمفهوم فرض الديمقراطية بالطريقة الأميركية المجردة رغم فشلها الذريع في التطبيق في العراق ومصر وداخل السلطة الوطنية الفلسطينية وذهبوا للولايات المتحدة وعادوا، بعضهم أو كلهم، ليبشروا بإلحاح غريب يشبه اليقين أنه لا بديل عنها.
أما الإخوان المسلمون فتلك حكاية أصبحت حكاية العصر عندنا، سأعود لها لاحقاً، إذ تدحرج موقفهم من جمعية خيرية نالت الرضا من المؤسس الشهيد عبدالله رحمه الله وانطلقوا من رحابه في أربعينيات القرن الماضي إلى مزاعم لاحقة أنهم مرة حماة للعرش والدولة وأخرى أكثر تواضعاً أنهم شركاء للدولة. وانتهى بهم الأمر إلى أن يوجه فضيلة المراقب العام الأستاذ الدكتور همام سعيد أدام الله عليه صحته دعوة رمضانية سبق في ذلك دعوة جلالة الملك في هذه المناسبة التي تخص آل البيت في ظني أكثر مما تخص تنظيم الإخوان المسلمين. ولقد كانت تلك الدعوة قبل سنتين غريبة في شكلها وتوقيتها ومضمونها. كانت في قلب الربيع العربي وظهر فضيلة المراقب العام على باب سرادق ضخم مبيّض الوجنتين وتكحلت عيناه بكحلة تليق بالمناسبة، كان المراقب العام في تلك الدعوة نضراً، أكثر شباباً وأكثر ثقة وكانت طاولته غريبة حيث اجتمع إليه السفير الأميركي (و هو لا يصوم) وحرص مكتب الإرشاد على أن تكون وجوه الأردنيين الحاضرة تشمل كل ألوان الطيف، يومها كنت في البحرين حين جاءتني الوجوه عبر شاشة التلفزيون ولم أفهم إلا ما أراد فضيلة المراقب العام أن يفهمنا إياه نحن الأردنيين.

كان هناك مسيحيون وشيوعيون ورجال دولة ونساء وموالون ومعارضون، كان كرنفالاً وطنياً قيل في حينه أن حاضروه قد تجاوزوا الألف أو يزيد.

كان الإخوان قد وصلو إلى ذروة قدرتهم على الاشتمام/ فحماس انتصرت والنظام السوري يترنح والرئيس مرسي امتلك ناصية المحروسة ولم يبق سوى بعض بعضٍ ليضاف إلى فضيلة المراقب العام لقباً آخر في الطريق وقد يكون هذا اللقب هدية أميركية بحتة وليس في ذلك ما يضير.

قبل أن أنتهي لأعود من جديد إلى الإخوان المسلمين مرة أخرى، لا بد أن أؤكد على أنني ضد أي صدام معهم وأي إقصاءٍ لهم وأعارض أبداً اعتبارهم مهما أخطأوا تنظيماً مناوئاً حد العداء وإن بدوا كذلك أحياناً، وإن كنت أتشبث بترديد (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)؛ أي أن دولة قوية قادرة على أن تردع الإخوان وتضعهم في موقع جديرون به.

أعود من جديد إلى أم معاذ (نخوتنا) ومحاولتها الإنابة عنا جميعاً لإيجاد شرعية أو تبريرٍ للرد على الدواعش، أعود فأقول إن قدرة معاذ على توحيد الأردنيين إن أُستثمر كمفهوم فإن فتاوى عديدة يمكن اشتقاقها من الفعل وإن برامج كثيرة يمكن اشتقاقها من أيقونة معاذ الموحدة لكن ذلك يحتاج منا جميعاً إلى جهد وإلى أن نترقي لمستوى النور الذي شعشعت روح معاذ بها علينا لنرد نارهم أو نار غيرهم إلى نحورهم.

لقد تمكن الأردن باشتقاق صيغ حماية لكيانه حين استفاد واستثمر ووظف ما لاح له كفرصة تاريخية لوحدة أبنائه خلف مواجهة مليكهم لسرطان الجسد في 1992، واليوم فإن فرصة لا تقل خطورة وأهمية قد نثرها دم معاذ وصية وحصانة ليمكن الأردنيين من الاصطفاف من خلف عبدالله الملك لمواجهة سرطان يختلف عن الأول لأن هدفه النيل من الوطن والأمة.

أعود لأقول إن الأردنيين عام 1992 بقيادتهم الملهمة وكوادرهم القيادية في دولتهم حينذاك قد احتشدوا من خلف الفرصة التي وحدتهم وهي عودة مليكهم سالماً ليعبروا الصعب ويتخطوه في أخطر ثلاث محن مرت على كيانهم في تسعينيات القرن الماضي، الأولى معاهدة السلام مع إسرائيل والثانية تأصيل وتعميق الديمقراطية البرلمانية الشابة والثالثة وفاة الحسين رحمه الله في آخر التسعينيات.

و إن الاحتشاد الجديد للأردنيين قد يفضي بهم إن أحسنوا فهمه وأدركوا معاني قوته واستلهموا روحه أن يحققوا قضايا ثلاثا أيضاً؛ الأولى حماية الأردن بتوسعه القائم على أن الأردنية رسالة أمة وليست لحظة جغرافيا من غير موارد.

والثانية إطلاق روح الأمة دينياً من جديد-أعني أن تتصدى عمّان للفتوى وليس لبعث الرسائل التطمينية وحسب. الفتوى هي سر الهاشمية اليوم بعد أن حقق عبدالله الملك أفقاً في الخارج لها في النطاقين العربي والدولي أكثر مما حققنا دعاة وإصلاحيين ومفكرين وساسة لها في الداخل، أقصد الفتوى.

والثالثة أن الأردن اليوم يستطيع بعد معاذ وبروح معاذ كأيقونة أن يلتقط اللحظة التاريخية التي جعلته في مقدمة المتصدين للفكر المتحجر وبدعم دولي لم تحظ به دولة من قبل.

إنني أدعو اليوم إلى أن تقوم عمّان بلملمة شعثها الفكري بعيداً عن الرطانة الإصلاحية غير المجدية وأن نسعى إلى إيجاد صيغة جديدة تجمع الاستقرار إلى التحول الديمقراطي وتعمل على إيجاد رواقٍ جامع يعمل على تأصيل الفتوى من منظور أردني عربي إسلامي لكن سقفه هاشمي، ومن هنا فإنني أبدأ بهذه النقطة بِحَث الجميع على قراءة كتاب صدر عام 2011 للدكتور روبرت رايلي بعنوان إغلاق عقل المسلم، حيث يصف (عقل المسلم واحدة من أعظم الدراما في التاريخ البشري). إن هذا الكتاب ينطوي مثل غيره على مفهوم غربي أميركي لمعنى العقل المسلم، ومع إني أرفض وجود عقل مسلم وأميل إلى استخدام عقلية إسلامية ذلك أن العقلية الإسلامية أرحب وأكثر مرونة من فكرة العقل وإنه لمن نوافل القول أن حركة الإصلاح الديني أو ما أحب أن أقتبسه من جديد (إعادة إحياء علوم الدين) قد أصبح فريضة على كل من يتعاطى بالفكر والتفكير.

ثمة ملاحظات عامة لا بد من زجها كمقدمة قبل الوصول إلى فكرة إعادة إحياء علوم الدين، وهي فكرة ثورية لذا قلت إنني أتحمل تبعاتها وحدي.

ما لم نحقق ونترجم ما رفعه الحسين من شعار (أن نتقدم بالإسلام لا أن نرجع إليه)، فإننا سنظل نمضي إلى حلقة مفرغة من أي مضمون. كذلك ما لم نعترف صراحة أننا نختلف فكرياً مع بعض السلف الصالح في إغلاق باب الاجتهاد وأن نظل قانعين قابلين بما قاله الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة 1058 م-1111 م (إن ما قاله السلف يجيب على كل أسئلة الخلف). فإن داعش ستظل على أبوابنا.

إن هذه المقولة المتطرفة هي أول محنة التفكير الديني المتزمت وهي تعني تماماً ما عنته عبارة فوكوياما (نهاية التاريخ)، كما أن حرق كتب ابن رشد في قرطبة وعلى رأسها كتابه تهافت التهافت 1126-1198م قد أغلق معنى الفتوى إغلاقاً جائراً، ولا بد من النظر بروح جريئة في الخصومة التي اندلعت بين عقل ابن رشد وعقل الغزالي.

كذلك فإن تتميم التكميم الذي اصطنعه ابن تيمية لفكر الغزالي 1263-1328م قد جعل من الفتوى والاجتهاد أملاً بعيد المنال وقد مهد بصورة محزنة إلى سقوط بغداد 1258م بركلة ترجيحية غير متوقعة من قدم هولاكو لأن فكر الأمة كان قد هوى قبل ركلة هولاكو. هل يجوز طرح سؤال بريء هنا: ما الفرق بين ركلة داعش حين هوت الموصل وبين ركلة هولاكو حين هوت بغداد؟

ولعلي أضيف أيضاً أن افتعال صراع المذاهب بين أتباع المذاهب الخمسة الأولى أو السبعة في نهاية الاعتراف بالجميع، إن هذا الافتعال هو عبارة عن قطاع مصالح لبعض قادة المذاهب وليس من أصل المذاهب.

إنني أتجرأ في الزعم والادعاء أن التلاقي والتداخل بين موسى الكاظم وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس والشافعي كان تداخلاً رحباً حنوناً فكرياً وإنسانيا ً وكانت الاختلافات بينهم إبداعية أكثر منها نزاعية بنى عليها الأتباع وهم معارك نظرية تحوّل حبرها فيما بعد إلى دماء وورقها صار جثثاً للأتباع.

النقطة الأخيرة في هذه النوافل، هو أن مشروع الدولة الكافرة والخروج عن الإمام ونقض البيعة كلها قد جاءت بها السياسة ولم يحتمها الفقه ولا الفكر.

إن ابن تيمية مثلاً الذي ذهب إلى جواز أن يكون (الخليفة ليس بالضرورة من قريش) قد حتمت عليه ظروفه ذلك، ولذلك فإن من نعتوه من المتصوفة في عصره بأنه خارجي قد أخطأوا.

إن معنى الخروج الآثم عن دولة الأمة وانتزاع حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحق لدولة الأمة ووضعه في أيدي الدعاة، كان ذاك أول التمهيد لداعش. فأبو الأعلى المودودي قد بدأ وبصورة عمودية التبشير بهذا المراد وسرعان ما تلقفه حسن البنا ثم استتب الأمر لسيد قطب في أمر الحاكمية والجاهلية ودار الإسلام وصولاً إلى كل ما رأيناه اليوم وغداً من دمويةٍ أحالت النص إلى سيف وأغلقت الاجتهاد بالإكراه وكفّرت الآخر حكماً، لذا فإن أول إحياء علوم الدين أن نقر بما يلي،

أولاً: أن الأزهر الشريف قد ابتدأ فكره بالتبشير للمذهب الشيعي الفاطمي ثم تحول إلى منبر لأهل الجماعة وليس هناك من غضاضة كيف لهذه المرونة في روح الأمة وفكرها نحصرها اليوم في عدم قدرتنا على الرد على مبايعة أبي بكر البغدادي خليفةً.

إنني من دعاة أن يعاد النظر أولاً في مرونة الانفتاح بين المذاهب وعليها كلها بمحور ارتكاز واحد هو دولة الأمة، ودولة الأمة تعني ليس نيابة عن الأمة وإنما كل دولة تتمثل روح الأمة وقيمها.

ثانياً: بالإعتذار والاحترام فإنني ضد أن تكون عمّان تابعة أو تقبل تبعية لفكر الأزهر أو فكر القيروان أو فكر النجف أو التفكير الوهابي، أنا من المؤمنين أن يكون التكامل حاجة وضرورة وأن يكون النأي عن التناقض فكرة ورسالة لكني أصرح بمنتهى الجرأة والمسؤولية وأقول أنه قد آن الآوان أن نبلور فتوى أو داراً للفتوى أو رواق للإفتاء هاشمياً كله، عربياً هدفه، إسلامياً ملجأه وإنسانياً عالمياً منتهاه.

إن الأردن بعد أيقونة معاذ قد أتيح له لأول مرة ومنذ عشرات السنين التفكير بصوت عالٍ على النحو التالي: إن الأقصى وهو ثالث حرم تشد له الرحال لم يزل منارةً دينية رمزية تتفيأ الرعاية الهاشمية وقد بدا واضحاً في محنة معاذ أن الفلسطينيين غربي النهر قد عبروا ولأول مرة عن قبولهم ومثابرتهم ومباركتهم للتفويض الهاشمي على الحرم القدسي.

كما أن كنيسة القيامة كمعنى روحي لا لبس في رمزيته تقع هي الأخرى في نطاق ما نرنو إليه من هدف.

فالمواجهة اليوم أضحت نحن في قلبها وفي خط الدفاع الأول دفاعاً عن الإسلام الصحيح ولم يتبق من كيانات بلاد الشام كلها ما يحق له الإدعاء بالأمل أنه قادر على لم شعث أهل الشام وبعض العراق إلا الدولة الهاشمية في الأردن وذلك ليس جديداً وليس غريباً. إن العودة بسرعة إلى كتاب خيرية قاسمية مثلاً (الحكومة العربية في دمشق) هذا الكتاب الذي يؤرخ لكفاح ومثابرة الهاشميين وعرب الشام معهم مطلع هذا القرن يشكل أكثر من ضرورة في هذه المرحلة لإيجاد مسوغ عقلي لما نحن فيه يستدل ويستأنس بتلك التجربة التاريخية من جديد.

ثالثاً: إن الجيش العربي المصطفوي الذي يستهل فجره كل يوم قبل أن يتنفس صبحه بالنشيد (دعوة الحق إلينا، نفحة هبت علينا) يحتاج من المفكرين والعلماء الأردنيين إلى التماهي بمعنى هذا النشيد.

و إن المعركة التي اندلعت على هيئة نار تخطف الأبصار ونور يسعى لتبديد الظلام بيننا وبينهم لا يمكن كسبها بالبندقية فقط ولا بالطائرة أو الإنزال البري، بل يتقدم كل ذلك فتوى ودعاء وجرأة في الإبداع للتعاطي مع النص المقدس بأدوات مقدسة بعيدة عن الخوف والوجل وبعيدة عن الجبن والخور لأن اللحظة المسماة لحظة معاذ هي لحظة لها ما قبلها وسيكون لها ما بعدها.

رابعاً: إن الإخوان المسلمين على معنى الحصر ومشايخهم الأفاضل النبلاء مطالبون اليوم في الأردن أن يحسموا أمرهم فقهياً وشرعياً قبل أن يتحدثوا بالسياسة ويخوضوا غمارها، أن يجيبوا على الأسئلة التالية:

أ‌- ما الذي يريدونه، هل يعتبرون (شعارهم الإسلام هو الحل) نهائياً؟ أو هل هم مستعدون لأن يسقطوا ال التعريف من الحل؟

ب‌- هل هم فقهياً وتنظيمياً هل هم أخوان مسلمون، أم أنهم أخوان لنا نحن المسلمين؟ أي أن هل لهم دينهم وللأردنيين دين آخر؟

ج- إلى متى سيبقى اللبس والحيرة تقلقهم في أنهم جزء من تنظيم عالمي أم أنهم على استعداد على أن يكونوا حزباً أردنياً يصلون معنا إلى العالمية بإنسانية طرحهم.

د- بكل الاحترام لقيادة الإخوان المسلمون، أوليس من الواجب عليكم أن تجيبونا اليوم أن كيف لتنظيم لم يرشق بوردة وأصعب شيء واجهه في عشر سنين مضت توقيف أحد قادته في سجن يتمكن مئات من محبيه ومريديه زيارته في كل وقت يشاؤون ويتمتعون بكل ما يريح، كيف لهذه القيادة لم تنتج كتاباً واحداً،مؤلفاً واحداً، فكرة جديدة واحدة غير ما يحكيه دعاة الإصلاح الأميركي في قضايا الفقر والبطالة وحقوق الطفل وحرية المرأة والمساواة وتغيير قانون الانتخاب!

كيف لقيادة الإخوان أن تبرر لنا حماستهم اللافتة للنظر ووقوفهم البطولي حين كانت تدك غزة بوضوح لا لبس فيه في وقت كانت الحركة كلها في محنة معاذ ومأساة الأردنيين قد بدت لي على الأقل متلعثمة وتعمل وفق (وذلك أضعف الإيمان).

لا أتحدث هنا بملامة سياسية أو مناكفة بل أنني أضع كل هذا في باب الاحترام الكامل للحركة الإسلامية وبالتالي مطالبتها بأن تقبل ما أقوله في نطاق الولاء للأردن والحب لهم لأنهم ركن أساسي فيه.

كيف لسيد قطب أن ينتج تحت سياط المخابرات المصرية ما أنتجه من ظلال تحت القرآن ومن دعوة للجهاد لإسقاط الدولة الكافرة والتمهيد لصناعة جيل قرآني بطريقته الخاصة بفهم القرآن، أثمر هذا الجيل عن عبدالله عزام وما زال هذا الباب مفتوحاً.

كيف لرجل من صميم الحركة الإسلامية، هو عبدالله عزام، ذهب لسنة أو سنتين لإخراج السوفييت الكفرة من أفغانستان واستبدالهم بأميركا العادلة، كيف له يرحمه الله في غضون هاتين السنتين رغم انشغاله بقضايا حشد المجاهدين وإعداد الأسلحة أن لا ينسى واجبه ويضع كتابه الأشهر (آيات الرحمن في جهاد الأفغان).

في الوقت ذاته ذهب الدعاة في الحركة الإسلامية إلى حضور دورات في كيفية عقد المؤتمرات الصحفية وكيف يخرج الداعية مبتسماً وأن تكون الابتسامة مرسومة على مقدار لحيته الجليلة ويقطعها فجأة كي تؤثر في الحضور، هل هذا من الدعوة فيما نحتاج إليه؟

أخيراً: نحن نحتاج بصراحة تامة إلى منهج أردني إسلامي هاشمي متجدد ينهض على ما يلي،

أ‌- أن الملكية هي من الشرع وليست من الفقه وحسب لأن الله سبحانه وتعالى وصف (نفسه بمالك يوم الدين)، و(ملك الناس) وإن الهاشمية كرامة للأمة قبل أن تكون حكماً والحكم لا يحتمل التحكم وحسب وإن عبدالله هو عميد للعترة النبوية. والملكية الهاشمية في الأردن هي الوارثة لفكرة دولة الأمة وليس دولة السلالة من دون الدخول في التفاصيل، فإن قادتنا هم أسباط الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً الذي كان مع وحدة الأمة قبل أن تشغله المناصب.

ب‌- إن المملكة الأردنية الهاشمية هي دولة للأمة ومن حقها على الأمة أن تجد وسيلة لإيواء قرابة المليون ونصف المليون لاجئ سوري على أرضهم وحماية منا. كذلك فإن العراقيين يحق لهم أن ينعموا بما نعم به الأردنيون في وطنهم وأن يكون ملاذهم في العراق. إن هذه الدعوة هي دعوة فكرية في الأصل ولذلك فإن فرقاً بين التوسع والإتساع، فإن القلب الأردني يتسع وقد اتسع لكل من هو عربي ومن الجائز أن نفكر بتوسعة المدى الجغرافي ليس توسعاً وإنما إيواءً لمن فاؤوا إلينا.

ج- إن كل التصورات المنوطة بخطبة الجمعة ودور المسجد والمناهج والندوات لا بد لها من إعادة نظر بمعنى التأصيل وليس بمعنى النقد والتبديل، نريد خطبة جمعة لمحافظ المنطقة ولرئيس البلدية ولمدير الشرطة لأن سرقة خطبة الجمعة قد تمت في زمن صعب ولا بد أن تعود للجمعة في خطبتها الدلالات الحيوية الفقهية التي تجعل من الجمعة (مؤتمراً أسبوعياً) لأهل الحي والمنطقة للتصدي لكل مشكلات اليوم والراهن من الحياة، كما قال الصادق النيهوم.

د- إن الحركات الإسلامية من سلفية وجهادية وإخوانية عليها أن تعي اللحظة، هل ستكون رافداً من روافد دولة الأمة أم أنها ستبقى تراهن لمائة سنة قادمة بعد أن خسرتنا وخسرت المائة سنة الماضية.

هـ- من الحكمة القول أن نخبة فكرية أردنية متباعدة التواصل، متجافية المودة، متقاطعة في الأهداف أكثر مما هي متفقة عليها موجودة في نطاق الدولة وخارجها؛ تحتاج إلى خيط سبحة يلظمها وينظم أداءها ويدعم اجتراحها لأفكار جديدة وإيجاد مؤسسة تأويها كأن تكون رواقاً هاشمياً للفتوى تلتقي في جنباته كل قوى الخير المحبة للتقدم نحو الإسلام. إن الفتوى في التاريخ قد نشأت في البلاط الهاشمي من مجادلة عائشة وفاطمة وأم سلمى رضوان الله عليهن للنبي صلى الله عليه وسلم وخلافات خالد وعمر وتوافقات أبو بكر والفاروق وعلي؛ وهذا ما منح للفتوى أبهتها وشرعيتها.

إن الأردني إن بنى على زخم أيقونة معاذ حالة فكرية جديدة خلاقة فإن الأردن على مدخل بوابة لعصر جديد.

و إن تمت تصفية حالة النهوض التاريخي لأيقونة معاذ ببطء وبهدوء وأن نظل نهتف في الشوارع مطالبين جيشنا بالثأر وكأن جيشنا دولة شقيقة لا نفعل ما نسنده ولا نأتي بما يخفف عن أجهزتنا الأمنية ما أرهقها بأكثر مما يحتمله بشر، وتلك في حد ذاتها مؤامرة.

لو يتم الرجوع إلى بعض وراء لنتذكر أن الجيوش هي المستهدفة فمصر صنعوا لها ولاية سيناء، والعراق بخروا جيشه في أول لحظة إحتلال وسوريا كما نرى.. اللهم لا شماتة.

و لم يبق في دول الطرق، لأننا الآن نحن بين نارين، نار دول الطوق ونار دول الطرق؛ وداعش دولة تطرق أبواب كل الدول المحيطة. وأنا ميال في هذا المجال أن يظل اسمها كما ورّد في دفتر عائلتها (داعش) وهو اسم موصوم بلا معنى وكأنه صنم، فلمّ نجهد أنفسنا، مع كل احترامي لفكرة الأزهر الشريف إطلاق تسمية الخوارج على هذا التنظيم؟ فالخوارج لا فكرة ولا هدفاً ولا فقهاً يلتقون مع أصنام المرتدين الجدد، داعش.

كما أن إطلاق لفظ الخوارج على داعش يشكل حساسية لمن يستوعبون الفكر الهاشمي ويؤمنون به، فالخوارج أول من قتل خليفة هاشمياً فلماذا نحمل هذا الوسواس الخناس في لا شعورنا؟

إن الدولة قد أطلقت على شارع الجاردنز اسم شارع وصفي التل وصار ذلك اسماً رسمياً له، لكن الاسم الذي طغى هو اسمه الأول منسوباً لمطعم، أقصد أن الاسم الذي طغى لن نحتاج إلى تبديله لأنه لن يتغير في اعتقادي.

هل قلت كل ما يجب قوله؟ هذه مفاتيح حوار أكثر مما هي أفكار جاهزة. ليست لدي جرأة التطاول على الحقيقة كما يفعل بعض دعاة الإصلاح عندنا الذين حين يستلمون موقعاً يبيعون كل مفاهيمهم في الإصلاح وحين يؤوبون من استراحتهم الممولة فإنهم يقترحون أناجيل وكتباً مقدسة يصوغونها هم ويعتبرون أنفسهم هم أنبياء المرحلة والكل يعرفهم أنهم لا أنبياء ولا ما يحزنون.

معاذ احترق جسده يرحمه الله لكنه حقق ما لم تستطع أي قوة أردنية أن تحققه للأردنيين فإما أن نحرق من حرق معاذ بنورنا وببرامج جديدة خلاقة غير مسبوقة وإما أن نبدد اللحظة وننتظر أي حل.

وللحديث بقية..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*